بقلم - مليك كايلان
في الوقت الذي يبحث فيه الرئيس الاميركي باراك اوباما كيفية التعامل مع الايرانيين عليه ان يعي الدورس المستخلصة من الاحداث التاريخية السابقة ليدرك طبيعة المناورات التي تريد هذه الدولة القيام بها في المنطقة.
ان ايران تحاول شغل الفراغ الذي خلفته وراءها الامبراطورية العثمانية البائدة في منطقة الشرق الاوسط, والى حد ما في وسط آسيا.
عندما انسحب الروس والبريطانيون من الاطراف الشمالية والجنوبية من مناطق النفوذ التي كانت خاضعة للحكم العثماني - التركي حتى وقت نشوب الحرب العالمية الأولى - لم تكن لديهم اي هواجس او شكوك تتعلق باحتمال قيام ايران يوما ما في المستقبل القريب, بشغل المكان الذي انسحبوا منه, لقد كان ممكناً لأي خبير ذي نظرة فاحصة مطلعة على خريطة المكان ان يدرك ان »بلاد فارس« التي تشغل مكان ذا اهمية جغرافية حيوية خصوصاً بين طريق الحرير والعالم العربي, ستبسط نفوذها وتتمركز في المكان لتسيطر وتسود, الا ان ايران في ذلك الوقت كانت تخضع لاحتلال وحكم امبراطوريات غير اسلامية, ولم تكن هناك قوة راسخة ومسيطرة في المنطقة سوى الامبراطورية العثمانية, وكانت هذه الامبراطورية تمثل الخلافة الاسلامية في القسطنطينية كانت هي القوة الوحيدة التي تقف في وجه الاطماع الروسية والبريطانية.
على اي حال ساءت سياسات الاحتواء السوفياتية والغربية على اضعاف النفوذ والسيطرة التركية خلال القرن الاخير, الا ان الايرانيين التزموا بقوميتهم وتماسكوا, ورأت القوى الخارجية ان الانقسام الشيعي - السني في العالم الاسلامي سيسهم في احتواء ايران الشيعية اوتوماتيكياً, الا ان الشرق الاوسط على العكس من توقعات العثمانيين لم يحدث فيه ما كان منتظراً نتيجة للخلاف السني - الشيعي!
فقد شهدنا هذه الايام نفوذاً ايرانيا كبيراً في العالم العربي على مختلف الصعد, وهذا ما اتضح عن طريق الشيعة في العراق ولبنان والخليج, وعن طريق الحكام العلويين في سورية, ورغم الحجة التي يتذرع بها البعض بأن ايران لا تستطيع - على الارجح - ان تسيطر على البحرين او العراق, حتى وان كانت نسبة الشيعة هناك كبيرة, الا ان السيطرة بحد ذاتها ليست هي الهدف الرئيس, ولابد ان نعترف بأن ممارسة التهديد وزعزعة الاستقرار يوفران لايران الوسيلة الكافية المؤثرة في المنطقة, وخصوصاً مع وجود مجموعة من »المجاهدين« في منطقة قلقة متقلبة كالشرق الاوسط.
هذه المجموعة تضخمت في بلد مثل لبنان, واصبحت قوة عسكرية وسياسية كبيرة في ظل »حزب الله«, ورغم ان »حزب الله« لن يحكم لبنان, الا ان ايران لا يعنيها بناء الشعوب ولا تشكيل الامم, بل انها تشك في ايديولوجية الثورة الاسلامية في ايران, وما اذا كان بالامكان اقامة دول بالمفهوم الحديث في المنطقة على اساس هذه الايديولوجية, اي حركة اسلامية اصولية - حتى وان استلهمت المبادئ الشيعية الرئيسية - لابد ان تعترف ان هناك حقيقة اساسية تقول ان الدولة الاسلامية سعت الى بناء امبراطوريات بحدود مؤقتة لكنها مرنة قابلة للتمدد والاتساع, وليس تكوين امم او شعوب ذات حدود وهويات محددة.
في الحرب العالمية الاولى استطاع السوفيات والبريطانيون احتواء الاتراك وصنعوا دولا تناسب هوية الشعوب الموجودة في المناطق الاسلامية الخاضعة للنفوذ التركي, وكانوا يأملون ان تحل الولاءات القومية او الانتماءات محل الولاءات والانتماءات الاسلامية الشاملة او حتى الولاءات العثمانية التي ترمز الى الخلافة بمضامينها الاوسع والاشمل, وشكل الروس تجمعات وطنية جديدة في اسيا الوسطى التركية كالأوزبيك والكازاخستان.
وفي الشرق الاوسط اسس البريطانيون العراق, وعندما الغى »كمال اتاتورك« الخلافة الاسلامية عام 1924 توقع البعض ان تختفي مشاعر الاخوة الاسلامية الشاملة »التي تتخطى الحدود وتتغلب على القيود« اختفاء كليا, والى الابد, الا ان ذلك لم يحدث, وكل ما صنعته تلك القوى الخارجية من »تقسيمات« ضمن »اللعبة الكبرى« التي مارستها في المنطقة لم تصمد ولم تستمر كثيراً في مناطق عدة وخصوصا في منطقة الشرق الاوسط لأن هذه القوى فشلت في توحيد الفرقاء المتناحرين الذين كانت تفصل بين بعضهم بعضاً مسافات طويلة, وايديولوجيات وعقائد, وانتماءات قبلية وعرقية مختلفة.
ولم يستطع الدخلاء الغربيون ان يستعينوا باطراف معينة لمصلحتهم ضد اطراف اخرى من دون التوسط في العواقب السلبية للانقسامات والحزازات القائمة في المنطقة, والواقع ان هذا هو ما تعلمه الاتراك العثمانيون, وما حاولوا السيطرة عليه خلال قرون عدة, واستعان الاتراك بمكانتهم وسلطتهم كمسلمين (في منطقة اسلامية), بل وكعنصر عرقي اجنبي احيانا - لفض النزاعات وتسوية الخلافات بين بعض المسلمين وبعضهم الاخر, وفي الوقت ذاته وفر الاتراك العثمانيون لرعاياهم الحماي













